ابن بطوطة
242
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
فلمّا فرغنا من الطعام أكل الحلواء ، ثمّ شرب الفقّاع بعد ذلك ، وأخذنا التنبول وانصرفنا ، فلم يكن غير هنيهة وأتاني الخازن ، فقال : ابعث أصحابك يقبضون المال فبعثتهم وعدت إلى داري بعد المغرب ، فوجدت المال بها وهو ثلاث بدر فيها ستّة آلاف ومائتان وثلاث وثلاثون تنكة ، وذلك صرف الخمسة والخمسين ألفا التي هي دين عليّ ، وصرف الاثني عشر ألفا التي أمر لي بها فيما تقدّم بعد حط العشر على عادتهم ، وصرف التّكنة ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب . ذكر خروج السلطان وأمره لي بالإقامة بالحضرة وفي تاسع جمادى الأولى خرج السلطان برسم قصد بلاد المعبر « 111 » ، وقتال القائم بها وكنت قد خلّصت أصحاب الدّين وعزمت على السفر وأعطيت مرتّب تسعة اشهر للكهارين والفرّاشين والكيوانية والدوادويّة ، وقد تقدّم ذكرهم ، فخرج الأمر بإقامتي في جملة ناس وأخذ الحاجب خطوطنا بذلك لتكون حجّة له ، وتلك عادتهم خوفا من أن ينكر المبلّغ ، وأمر لي بستّة آلاف دينار دراهم ، وأمر لابن قاضي مصر بعشرة آلاف ، وكذلك كلّ من أقام من الأعزّة « 112 » ، وامّا البلديّون فلم يعطوا شيئا وأمرني السلطان أن أتولى النظر في مقبرة السلطان قطب الدّين الذي تقدّم ذكره « 113 » وكان السلطان يعظّم تربته تعظيما شديدا لانّه كان خديما له ، ولقد رأيته إذا أتى قبره يأخذ نعله فيقبّله ويجعله فوق رأسه . وعادتهم أن يجعلوا نعل الميت عند قبره فوق متّكأة ، وكان إذا وصل القبر خدم له كما كان يخدم أيّام حياته ، وكان يعظّم زوجته ويدعوها بالأخت وجعلها مع حرمه ، وزوّجها بعد ذلك لابن قاضي مصر ، واعتنى به من أجلها وكان يمضي لزيارتها في كلّ جمعة . ولمّا خرج السلطان بعث عنّا للوداع فقام ابن قاضي مصر فقال : أنا لا أوادع ولا أفارق خوند عالم ، فكان له في ذلك الخير فقال له السلطان : امض فتجهّز للسّفر ! وقدمت بعده للوداع وكنت احبّ الإقامة ولم تكن عاقبتها محمودة ! فقال : مالك من حاجة ؟ فأخرجت بطاقة فيها ستّ مسائل ، فقال لي : تكلّم بلسانك ! فقلت له : إن خوند عالم أمر لي بالقضاء وما قعدت لذلك بعد ، وليس مرادي من القضاء الّا حرمته ، فأمرني بالقعود للقضاء وقعود النّائبين معي ، ثمّ قال لي : إيه ، فقلت : وروضة السلطان قطب الدين ما ذا أفعل فيها ؟ فإني رتّبت فيها أربع مائة وستّين شخصا ، ومحصول أوقافها لا يفي بمرتّباتهم وطعامهم ؟
--> ( 111 ) كان يوم تاسع جمادى الأولى من عام 741 يوافق 21 أكتوبر 1341 . ( 112 ) يعنون بالأعزة الغرباء وهو تعبير حضاري جميل كما أسلفنا iii ، 98 - 222 - 229 الخ . ( 113 ) انظر التعليق الماضي رقم 75 .